محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لآلهتهم ، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وربك يا محمد يخلق ما يشاء أن يخلقه ، ويختار للهداية والإيمان والعمل الصالح من خلقه ، ما هو في سابق علمه أنه خيرتهم ، نظير ما كان من هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم ، فكذلك اختياري لنفسي . واجتبائي لولايتي ، واصطفائي لخدمتي وطاعتي ، خيار مملكتي وخلقي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ قال : كانوا يجعلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهلية . فإذا كان معنى ذلك كذلك ، فلا شك أن " ما " من قوله : وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ في موضع نصب ، بوقوع يختار عليها ، وأنها بمعنى الذي . فإن قال قاتل : فإن كان الأمر كما وصفت ، من أن " ما " اسم منصوب بوقوع قوله يَخْتارُ عليها ، فأين خبر كان ؟ فقد علمت أن لك إذا كان كما قلت ، أن في كان ذكرا من ما ، لا بد لكان إذا كان كذلك من تمام ، وأين التمام ؟ قيل : إن العرب تجعل لحروف الصفات إذا جاءت الأخبار بعدها أحيانا ، أخبارا ، كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها . ذكر الفراء أن القاسم بن معن أنشده قول عنترة : أمن سمية دمع العين تذريف * لو كان ذا منك قبل اليوم معروف فرفع معروفا بحرف الصفة ، وهو لا شك خبر لذا ، وذكر أن المفضل أنشده ذلك : لو أن ذا منك قبل اليوم معروف ومنه أيضا قول عمر بن أبي ربيعة : قلت أجيبي عاشقا * بحبكم مكلف فيها ثلاث كالدمى * وكاعب ومسلف فمكلف من نعت عاشق ، وقد رفعه بحرف الصفة ، وهو الباء ، في أشباه لما ذكرنا بكثير من الشواهد ، فكذلك قوله : وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ رفعت الخيرة بالصفة ، وهي لهم ، إن كانت خبرا لما ، لما جاءت بعد الصفة ، ووقعت الصفة موقع الخبر ، فصار كقول القائل : كان عمر وأبوه قائم ، لا شك أن قائما لو كان مكان الأب ، وكان الأب هو المتأخر بعده ، كان منصوبا ، فكذلك وجه رفع الخيرة ، وهو خبر لما . فإن قال قائل : فهل يجوز أن تكون " ما " في هذا الموضع جحدا ، ويكون معنى الكلام : وربك يخلق ما يشاء أن يخلقه ، ويختار ما يشاء أن يختاره ، فيكون قوله وَيَخْتارُ نهاية الخبر عن الخلق والاختيار ، ثم يكون الكلام بعد ذلك مبتدأ بمعنى : لم تكن لهم الخيرة : أي لم يكن للخلق الخيرة ، وإنما الخيرة لله وحده ؟ قيل : هذا قول لا يخفي فساده على ذي حجا ، من وجوه ، لو لم يكن بخلافه لأهل التأويل قول ، فكيف والتأويل عمن ذكرنا بخلافه ؛ فأما أحد وجوه فساده ، فهو أن قوله : ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ لو كان كما ظنه من ظنه ، من أن " ما " بمعنى الجحد ، على نحو التأويل الذي ذكرت ، كان إنما جحد تعالى ذكره ، أن تكون لهم الخيرة فيما مضى قبل نزول هذه الآية ، فأما فيما يستقبلونه فلهم الخيرة ، لأن قول القائل : ما كان لك هذا ، لا شك إنما هو خبر عن أنه لم يكن له ذلك فيما مضى . وقد يحوز أن يكون له فيما يستقبل ، وذلك من الكلام لا شك خلف . لأن ما لم يكن للخلق من ذلك قديما ، فليس ذلك لهم أبدا . وبعد ، لو أريد ذلك المعنى ، لكان الكلام : فليس . وقيل : وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ليس لهم الخيرة ، ليكون نفيا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبل وفيما بعد . والثاني : أن كتاب الله أبين البيان ، وأوضح الكلام ، ومحال أن يوجد فيه شيء غير مفهوم المعنى ، وغير جائز في الكلام أن يقال ابتداء : ما كان لفلان الخيرة ، ولما يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك ؛